ابن ميثم البحراني
45
شرح نهج البلاغة
وبيانه : أن محبّة الدنيا والميل إليها والانهماك في مشتهياتها . سواء كان معها مسكة للإنسان باللَّه تعالى أو لم يكن فإنّ من لوازمها الانتهاء إلى النار إلَّا أن يشاء اللَّه كما قال تعالى « مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وما لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ » ( 1 ) وكان المقصود الأوّل للإنسان هو تناول اللذّات الحاضرة لكن لمّا كان من لوازم الوصول إلى تلك اللذّات والإقبال عليها دخول النار والانتهاء إليها كانت عرضيّة . الرابع : التنبيه على التوبة قبل الموت وهو قوله : أفلا تائب من خطيئة قبل منيّته . ولا شكّ أنّها يجب أن تكون مقدّمة على الأعمال لأنّك علمت أنّ التوبة هي انزجار النفس العاقلة عن متابعة النفس الأمّارة بالسوء لجاذب إلهيّ اطَّلعت معه على قبح ما كانت عليه من اتّباع شياطينها وهو من مقام الزهد والتخلَّي . وقد علمت في بيان كيفيّة السلوك إلى اللَّه تعالى أنّ مقام التخلية مقدّم على مقام التحلية . فكان الأمر بها مقدّما على الأمر بساير الطاعات . الخامس : التنبيه على العمل للنفس قبل يوم البؤس والإشارة إلى ما بعد الموت من العذاب اللازم للنقصان اللازم عن التقصير في العمل إذ الواصل إلى يوم بؤسه على غير عمل أسير في يد شياطينه . وقد علمت أن غاية الاسترسال في يد الشيطان دخول النار والحجب عن لقاء ربّ العالمين . ولمّا كان العمل هو المعين على قهر الشياطين والمخلص من أسره نبّه عليه ، ثمّ أردفه بالتنبيه على وجود الزمان الَّذي يمكنهم فيه العمل وهو أيّام آمالهم للعمل وغيره على أنّ ذلك الزمان منقطع بلحوق الأجل ، ثمّ أردفه ببيان فايدة العمل في ذلك الزمان وهي المنفعة بالثواب في الآخرة وما يلزمها من عدم مضرّة الأجل ، وبيان ثمرة التقصير في العمل فيه وهي خسران العمل المستلزم لمضرّة الأجل . وأحسن باستعارته عليه لفظ الخسران لفوات العمل فإنّ الخسران في البيع لمّا كان هو النقصان في رأس المال أو ذهاب جملته ، وكان العمل هو رأس مال العامل الَّذي يكتسب الكمال والسعادة الأخرويّة لا جرم حسنت استعارة لفظ الخسران لعدم العمل ، وأمّا استلزام المنفعة لعدم مضرّة الموت واستلزام الخسران لمضرّته فهو أمر ظاهر إذ كان الكامل في
--> ( 1 ) 42 - 19